ما هو دور الأميركيين في اعادة اطلاق “داعش” في المنطقة؟

شارل ابي نادر

 

من يتابع حركة ونشاط التنظيم الارهابي “ داعش” في العراق أو في شرق الفرات في سوريا، يظن أن التنظيم الارهابي ما زال يقاتل ويناور في مواجهة مفتوحة انطلاقًا من نقاط ثابتة، فهو يمتلك نقاط اسناد لوجستي وقواعد اطلاق لعمليات قتالية مدروسة ومخططة، كما وأنه ينتشر في مناطق محصنة وخاصة في العراق، بين شمال صلاح الدين وشمال غرب ديالى وجنوب كركوك، هذا غير ما يمتلكه من مواقع في غرب الأنبار، كمراكز تجمع ونفوذ غير ناشطة من الناحية الميدانية حاليًا.

 

فكيف يمكن فهم هذا النشاط الارهابي العملاني لـ” داعش”، في الوقت الذي أعلن “التحالف الاميركي” أنه قد هزمه منذ حوالي العامين تقريبًا، وأن انتشار وحداته في عشرات القواعد الثابتة في العراق وفي بعض مناطق شرق الفرات قي سوريا، هي لتأكيد هزيمته ولمنع عودته؟

 

صحيح أنه تم الاعلان عن هزيمة “ داعش” بشكل احتفالي، من قبل التحالف الدولي بقيادة واشنطن، والذي كان أول من تبنى هذا الاعلان، ولكن عمليًا، بقيت هناك بؤر للتنظيم الارهابي، لم يتم تنظيفها، وبالتالي، شكلت هذه البؤر غير المحررة منه بشكل كامل، نقاط  ارتكاز، يستعملها  التنظيم  اليوم للانطلاق والظهور من جديد. والتحالف الاميركي يتحمل المسؤولية الاكبر في ذلك، في كل من سوريا والعراق، استنادًا للمعطيات الميدانية والأمنية التالية:

 

في العراق، وبعد تحرير الموصل والقيارة وبيجي وتل عفر وأغلب مناطق صلاح الدين من “ داعش”، خُلقت فجأة مشكلة كركوك والخلاف العراقي ما بين السلطة المركزية وكردستان العراق في المناطق المتنازع عليها  في محيط كركوك،  وحينها كانت تتم عملية تطهير الحويجة من “ داعش” من قبل الجيش العراقي ووحدات الحشد الشعبي، وبسبب الخلاف المذكور، وجهت السلطة العراقية تركيز وحداتها وألويتها لمعالجة الاشتباك مع كردستان العراق حول تلك المناطق، خاصة أن الأميركيين حينها لم يقفوا مع السلطة العراقية المركزية، بل بالعكس، دعموا حكومة اربيل حينها، والتي تحركت على الأرض بما يشبه الاستعداد لمواجهة عسكرية كاملة مباشرة ضد الجيش العراقي وقوات الامن الوطني.

 

عمليًا، ظهر الموضوع حينها وكأن الاشكال الاداري الحدودي مع كردستان العراق، بدا مخططًا ومدروسًا بالتوقيت المناسب، عندما كان يتم الإطباق على “ داعش” في الحويجة والشرقاط وجبال حمرين، الأمر الذي سمح لـ” داعش” في المناطق المذكورة، بتثبيت مواقعه والتمركز دفاعيًا بحالة الترقب، من دون تنفيذ مهاجمات على الوحدات الشرعية العراقية، فقط عمل على الاختباء والتحضير للمواجهة لاحقا. وهذه المنطقة اليوم في العراق، هي نقطة عمليات داعش الاكثر نشاطا. وهنا، تتحمل الوحدات الأميريكة في العراق مسؤولية عدم الدفع نحو انهاء “ داعش” في تلك المنطقة بعد ان سهلت للخلاف العراقي الداخلي مع الاكراد، وبعد ان تقاعست وحدات المراقبة والاستطلاع لديها في قواعدها المنتشرة في تلك المنطقة من ضبط حركة “ داعش”، وخاصة اننا نتكلم عن وجود اكثر القواعد الاميركية جهوزية وقدرة في المنطقة المعنية بين شمال بغداد وحتى كركوك والقيارة جنوب الموصل.

 

في سوريا، افشلت الوحدات الاميريكة وعرقلت دخول الدولة السورية شرق الفرات وتحديدا في شرق دير الزور حتى الحدود مع العراق ، وقد استشرست اكثر من مرة في مهاجمة  مباشرة  واستهداف جوي  لوحدات الجيش العربي السوري وحلفائه من الروس ومن محور المقاومة، والذين حاولوا  التقدم شرقا لتحرير تلك المناطق، ولاحقا، ومن خلال  تكليف قوات سوريا الديمقراطية  والضعيفة نسبيا بمواجهة داعش، بالامن والانتشار العسكري في تلك المنطقة، أمّن الاميركيون رعايتهم وادارتهم  لتلك المناطق، وكان ذلك بمثابة فرصة لـ” داعش” لكي يثبت ويتحضر ومن ضمن انتشار مشبوه بحماية اميريكة، هو الان يقوم بعمليات خطرة وينشط في تلك المنطقة.

 

اليوم، ومن دون تقييد حركة ونفوذ الاميركيين في العراق وبالتحديد في مناطق تشهد انطلاقة لافتة لـ” داعش”، من المرجح ان تكون منطقة شمال بغداد بين صلاح الدين حتى كركوك، منطقة تمدد ونفوذ جديدة للتنظيم الارهابي، بالاضافة لامكانية عودة نفوذه في غرب الانبار، حيث ما زال يمتلك في تلك المناطق تواجدًا قويًا، تحت أعين الوحدات الاميركية المنتشرة في مطار سنجار.

 

أما في سوريا، فما زال يوجد للتنظيم انتشار غير بسيط  شرق الفرات بين دير الزور والحدود مع الأنبار العراقية، وعلى مجرى نهر الفرات بين الميادين حتى الباغو، بالاضافة لحركة مشبوهة دائما في البادية الجنوبية الغربية لدير الزور على امتداد مداخل قاعدة التنف الشمالية الغربية، ومستفيدا من التواجد الاميريكي في قاعدة التنف، ما زال يتحرك على شكل عصابات في عمق البادية جنوب السخنة وغرب دير الزور.

 

أما لناحية امكانية انتشاره في دول أخرى من الدول المحيطة في العراق وسوريا، هناك صعوبة في ذلك، أولًا لأن في كل من لبنان أو الاردن تماسكًا أمنيًا وعسكريًا قويًا، حيث تسيطر الدولة اللبنانية والاردنية بالكامل على أراضيهما، والأهم أنه لا يوجد انتشار ميداني عسكري لوحدات أميريكة، مثل العراق أو مثل شرق الفرات قي سوريا، الأمر الذي يجعلنا نستبعد امكانية عودة  نشاط “ داعش” الى دول اخرى غير العراق وسوريا.

ما هو دور الأميركيين في اعادة اطلاق “ داعش” في المنطقة؟
Rate this post

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.