لا تلعبوا بالنار مع إيران!

كتب: محمّد لواتي

يقول وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسينجر إن الولايات المتحدة والصين على شفا حرب باردة، مُحذّراً من صراع قد يكون أسوأ من الحرب العالمية الأولى.

 

أمّا الحرب ضد إيران فهي حرب الرابح فيها هو الخراب للجميع وليس شيئاً آخر. إيران بجغرافيتها وتاريخها ونسيج مجتمعها المُتناسِق ليست إلا تعقيدات سياسية وعسكرية لأية حرب ضدّها، وأية قوَّة تواجهها تصطدم بحقائق ربما ليست في الحسبان لا على المستوى السياسي ولا على المستوي العسكري، فقد خرجت من الحصار كأقوى دولة إقليمية في المنطقة. يؤكّد هذا الرأي معهد الدراسات الاستراتيجية، بحيث يقول أحد خبرائه إن “إيران تتقدّم عسكرياً على أميركا في الشرق الأوسط”. دراسة أخرى لوكالة استخبارات الدفاع الأميركية DIA تؤكّد على ما يلي:

 

1 – تعمل القدرات البحرية الإيرانية على استراتيجية رفض منطق منع الوصول.

 

2 – تشكّل الصواريخ الباليستية الإيرانية مكوّناً أساسياً لردعها الاستراتيجي.

 

3 – تنظر طهران إلى عمليات الفضاء الإلكتروني كوسيلة آمنة منخفضة التكلفة لجمع المعلومات والانتقام من التهديدات المُتصوَّرة.

 

وبالتالي فقد تركت إيران السعودية خلفها عسكرياً وسياسياً، وأعتقد أنها هي التي ستقود العالم الإسلامي في السنوات الخمس القادمة، فالحُكم السلالي في السعودية يتآكل تدريجاً بعد أن تآكلت الوهّابية بحُكم دمويتها تحت ستار الدين، ولم تعد أميركا توليها الحماية، لاسيما أن ترامب لا يؤمّن الحماية العسكرية إلا بالمقابل المالي، الأمر ترفضه المؤسّسة التشريعية داخل أميركا وكبار صنّاع الرأي فيها لأن ذلك يصنّف الجيش الأميركي ضمن قائمة الجيوش المرتزقة.

 

إنّ أيّة حرب تشعلها أميركا تحت ضغط إسرائيلي ودويلات الخليج هي بالتأكيد ليست مثل عاصفة الصحراء التي قادها جورج بوش لتخريب العراق وأفغانستان وترميم الأرصفة فيهما بالجثث وحليب الأطفال.

 

وأميركا في مواجهة الروسي، والصيني، والإيراني، تبحث عن فرصة ضائِعة في نهر الصين، لكنها فرصة غير متاحة لا بحرب باردة ولا بحرب ساخنة ما دام الروسي في تحالفٍ استراتيجي مع الصيني والإيراني.

 

هناك باعتقادي وعي بشري جديد لم يحدث مثله في التاريخ البشري. وعي ليس ضدّ إسرائيل وأميركا والسعودية فحسب، بل دخل هذا الوعي جوانب أخرى مما يُعرَف بالوقود البشري، أي الجانب الروحي والقومي، وهما ضد الرأسمالية المُتوحّشة باعتبارها فلسفة قائمة على الإلغاء المُبرمَج لجانب مهم في الإنسان وهو الجانب الإنساني، وهناك أيضاً بدائل بدأت تفرض نفسها في الفكر السياسي قصد تواجد انسجام بين منطق الواقع ومنطق الدولة، ومن هنا وجَب التفريق بين المفاهيم الدينية لدى إيران ولدى غيرها ممَن يأخذون ظاهرياً بالمسيحية كمفهوم استيطاني استعماري، ولعلّ القارئ يلاحظ التطوّرات في المُعاناة التي واجهتها البشرية بدءاً من حصار شعاب مكّة ضد النبي محمّد (ص) إلى حصار طروادة فكوبا والعراق وإيران واليوم اليمن وسوريا.

 

رغم أنها كلها جاءت بدافع الافتقاد للوعى الإنساني وغير المؤسّس وبناء على رغبات انتقامية حادّة من الطرف المُهدّد بتلك الآلام، إننا باختصار نلاحظ كيف يقرأ ترامب السياسة ومفاهيمها بمُنعرجات غير عقلانية، وكيف يأخذ بمبدأ الاجتثاث للرأي الآخر لا من أجل الإصلاح ولكن من أجل الانتقام لذات الانتقام. ألم يقل بوش الأب مثلاً وهو يُحدّد سياسة الاجتياح للعراق وأفغانستان بأنه ينشد “الطريق إلى الحرية والديمقراطية” وهو يرى الجثث المُفحّمة تتناثر كأوراق الخريف أمامه وأمام العالم بسبب قنابله في العراق وأفغانستان.

 

لقد ظلّ السؤال يُرهِق الأسماع والضمائر من كلمة الحرية لكن الإبادة كانت هي الأساس. بأيّ حق يجري تزوير الحقائق ثم الاعتراف بذلك لاحقاً أي بعد سقوط كل القِيَم؟.

 

يقول الباحث الأميركي فريد زكيا إن “إدارة الرئيس دونالد ترامب ضاعفت سياستها الأحادية والانعزالية وهي مزيج يُعزّز التنازل عن القيادة الأميركية وعن خلق عالم أكثر استقراراً”، فيما تتّهم السعودية إيران بتأجيج الطائفية وتحرّض العالم كله ضدّه. اتهم عادل الجبير إيران بنشر “طائفية مُدمّرة”، مؤكّداً أن منطقة الشرق الأوسط فيها رؤيتان “رؤية النور ورؤية الظلام”.

 

والواقع يقول إن الطائفية الوهابية هي الظلامية عينها التي دمّرت الإسلام والمسلمين وأحسن مثال على ذلك الإبادة الجماعية في اليمن وهي إبادة تتمّ بواسطة الطائفية. إذن، نحن أمام مواقف مُتداخِلة وهي في الأغلب انعزالية بالنسبة إلى السعودية التي حشرت نفسها في زاوية ضيّقة بعد أن قامت بتعطيل مجلس التعاون الخليجي والرفض المُتزايد لسياستها في العالم الإسلامي، فضلاً عن التهديد لها من طرف الكونغرس الأميركي بالعقاب بسبب حربها في اليمن ومقتل الصحافي جمال خاشقجي.

 

وربما ينطبق عليها قول إبن خلدون “لو سكت من لا يعرف لقلّ الخلاف”، في حين يبدو الرئيس ترامب في قلب مقولة الشاعر لويس دودك “يعتقدُ أن الفكَّ فيلمٌ عن أطباء الأسنان”.

 

في وسط هذه المُتناقضات تتوجّه إيران إلى كسب أية حرب قد تُشنّ عليها – وإن كنت أعتقد أنها لن تحدث – بقوّتها العسكرية التي هي في مستوى عال من الجهوزية ومن التنوّع الحربي.

 

يقول أحدهم “ببلاهة هستيرية مُفاجِئة استهلكوا إلى حد اللهث كل الجهود والأموال والطاقات في حرب الطواحين هذه، حتى فوجئوا بصواريخ إيران تنزل عليهم في عُقر دارهم”.

 

ويوضح الصحافي الأميركي تايلور “إن فكرة الحرب مع إيران لا تحظى بدعم وسط المُشرّعين الأميركيين، الذين عبّر بعضهم عن السخط بسبب غياب المعلومات”.

 

ويكتب إيغور سوبوتين ”في الولايات المتحدة، يخشون أن تحصل إيران على قدرات حديثة في مجال الدفاع. فحظر الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على طهران ينتهي في أكتوبر/تشرين الأول 2020 وعلى هذه الخلفية، ستحاول القيادة الإيرانية، كما يقول تقرير إدارة الاستخبارات في البنتاغون، شراء أسلحة متطوّرة من روسيا والصين”.

 

وحتى فيمن منظور “إسرائيل” تبدو سياسة ترامب غير موجّهة ضدّ إيران، بل هي سياسة تفتقد إلى تحديد الأهم في الأفق العسكري، وهو أفق أصبح لصالح إيران بعد أن حصّنت تواجدها في المنطقة وفق استراتيجية عسكرية مُناهِضة لأميركا.

 

الموقفان الروسي والصيني رفضان بطبيعة الحال أيّة حرب تخوضها أطراف غير واعية بمخاطرها في المنطقة مثل دويلات الخليج و”إسرائيل”.

 

ستتحوّل المنطقة في حال حدوثها إلى خراب يُعيدها إلى العصور الوسطى. صحيح أن روسيا ليست من دُعاتها ولكنها مُستعدّة لصدّها لأنها ستكون على حدودها. روسيا ليست قوّة عُظمى بعد، لكنها عادت كلاعب مستقل مهم. وستلعب في مناطق مختلفة حول العالم في السنوات المقبلة.

لا تلعبوا بالنار مع إيران!
Rate this post

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.